محمد راغب الطباخ الحلبي

616

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وفي أثناء ذلك حضر إلى ( إينه بولي ) القائد الشهير كاظم قره بكر باشا قادما من أرزن الروم ذاهبا إلى أنقرة ، فعاد المترجم وتذاكرا في أمور شتى هامة ، وبعد خروجه من عنده بات يذرف الدمع . وما مضى على ذلك مدة شهرين إلا وأنشبت المنية فيه أظفارها . والموت نقّاد على كفه * جواهر يختار منها الجياد ونقلت جثته إلى الآستانة ، وحين وصولها إليها جرى لها استقبال فائق ، ودفن حسب وصيته في جامع السليمانية ، فرحمه اللّه رحمة واسعة . أما اليونانيون فإنهم توغلوا في البلاد العثمانية حتى قاربوا أنقرة ، وكانت الجيوش التركية تفسح لهم المجال خداعا منهم ، ثم كرت عليهم وضربتهم تلك الضربة الشديدة ، وفي مدة عشر أيام فتكت بهم فتكا ذريعا وقتلت منهم مقتلة عظيمة وأرجعتهم إلى إزمير وزج الكثير منهم في قعر البحر ، واستردت منهم إزمير وجميع بلادها المحتلة . والوقائع معلومة مشهورة نشرتها صحف العالم في حينها بملء الإعجاب ودونت تفاصيلها في بطون الأسفار . وكان رحمه اللّه على غاية من الشجاعة والإقدام ، لا يعرف الكلل في أعماله ولا الملل في أشغاله ، ذا وقار وهيبة ورأي ثاقب ، مفرط الذكاء ، سريع الانتقال ، حلو الحديث ، لطيف المحاضرة ، بعيدا عن الرذائل وسفاسف الأمور ، لا يقبل التزلف ولا يحب الشهرة والفخفخة ، سخي اليد يصرف كثيرا في مساعدة أحبابه وفي سبيل الخير . وكان يجيد اللغة التركية تمام الإجادة ، آخذا من العربية وآداب لغتها بحظ وافر ، ويتكلم باللغة الإفرنسية والألمانية ويجيد الكتابة فيهما ، ويفهم الكلام بالفارسية لكن لا يقدر أن يتكلم فيها . وفي منفاه في مالطة كان يدرس اللغة الإنكليزية . وكان المنفيون معه يعجبون بصبره وعظيم ثباته وعدم جزعه وتحمله للمشاق ودماثة أخلاقه وحسن طويته . وكان كل من له به معرفة وله معه صلة يعرف فيه هذه المحاسن وتلك المزايا . وإنما المرء حديث بعده * فكن حديثا حسنا لمن وعى